محمد رأفت سعيد
49
تاريخ نزول القرآن الكريم
الدليل الثالث : ما صححه الطبراني في الكبير بسنده عن أبي رجاء العطاردي ، قال : « كان أبو موسى يقرئنا فيجلسنا حلقا وعليه ثوبان أبيضان فإذا تلا هذه السورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ قال : هذه أول سورة نزلت على محمد صلّى اللّه عليه وسلم . كما وردت آثار أخرى بهذا المعنى مثال ذلك ما جاء في رواية الزهري : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان بحراء إذ أتى الملك بنمط من ديباج مكتوب فيه : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) إلى ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق ] والنمط : هو الثياب ، والديباج : هو الحرير . فهذا هو القول الأول الذي يرى بهذه الأدلة أن أول ما نزل : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) ، والأدلة كما نرى قوية فهي روايات وشهادات موثقة وصحيحة فيها التصريح بذلك ونزداد يقينا بصحة هذا القول عندما نعرض الأقوال الأخرى من باب الأمانة العلمية ، وحتى لا يبقى في النفس شئ . فأما القول الثاني : فيرى أن أول ما نزل : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ودليل هذا القول ما رواه الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال : « سألت جابر بن عبد الله : أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت : أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ، وفي رواية نبئت أنه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقال : أحدثكم ما حدثنا به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « إني جاورت بحراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي زاد في رواية : « فنوديت فنظرت أمامى وخلفي وعن يميني وعن شمالي ، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو - يعنى جبريل - قاعد وفي رواية جالس على عرش بين السماء والأرض فأخذتني رجفة فأتيت خديجة ، فأمرتهم فدثروني ، فأنزل الله : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) [ المدثر ] . وهذا الحديث الذي ذكره جابر بن عبد الله رضي اللّه عنه فيه ما يشير إلى أن رؤية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم للملك جبريل لم تكن الأولى فكلمة « فإذا هو » تدل على أنه يشير إلى أنه الملك الذي جاء مرة قبل ذلك بغار حراء فيكون ما نزل في هذه المرة قد سبق بغيره ، ونقل جابر بن عبد الله هذا على أنه أول ما نزل بإطلاق ، ولكنه أول ما نزل بعد فترة الوحي . والذي يرجح ما نقول به ما جاء في رواية جابر بن عبد الله نفسه رضي اللّه عنه ورواها الشيخان كذلك وفيها : « فبينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى قبل السماء فإذا الملك الذي جاء بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثثت حتى هويت إلى الأرض ( أي ثقل جسمي عن القيام من الخوف ) فجئت أهلي فقلت : دثروني فدثروني فأنزل الله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ